محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
49
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
وهي سلب نعمة الدنيا ، والنقل إلى عذاب الأخرى واللّه أعلم بالمراد . الآية الثانية منها قوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ « 1 » وقال في سورة المائدة « 2 » : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي . للسائل أن يسأل : فيقول : إذا كان المذكور في الموضعين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وصلح أن يعود الضمير إلى مذكر وإلى مؤنث ، فيراد : مثل هيئة الطير وهو مذكر ، أو يراد : هيئة كهيئة الطير وهي مؤنثة ، فما بال ما في آل عمران خص بالتذكير وما في سورة المائدة خص بالتأنيث ؟ . الجواب أن يقال : إن الأول الذي ذكر الضمير فيه إنما هو في إخبار اللّه عز وجلّ به عن عيسى عليه السّلام وقوله لبني إسرائيل : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وعدد الآيات كلها عليهم منها : أني آخذ من الطين ما أصور منه صورة على هيئة الطير في تركيبه ، فأنفخ فيه فينقلب حيوانا لحما قد ركب فيه عظم ، وخالط دما ، واكتسى ريشا وجناحا كالطائر الحي ، والقصد في هذا المكان إلى ذكر ما تقوم به حجته عليهم ، وذا أول ما يصور من الطين على هيئة الطير ويكون واحدا يلزم به الحجة ، فالتذكير أولى به ، والتي في سورة المائدة المخصوصة بتأنيث الضمير العائد إلى ما يلحقه هي في ذكر ما عدد اللّه من النعم على عيسى عليه السّلام ، وما أصحبه إياه من المعجزات ، وما أظهر على يده من الآيات وابتداؤها إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي والإشارة في هذه الآية ليست إلى أول ما يبديه لبني إسرائيل من ذلك محتجا به عليهم ، وإنما هي إلى جميع
--> ( 1 ) سورة : آل عمران ، الآيتان : 48 ، 49 . ( 2 ) الآية : 110 .